” إن كان ريال مدريد في المركز الثالث، فلا بأس بذلك طالما برشلونة في المركز الرابع”. هكذا تحدث لويس ميلا اللاعب الإسباني السابق الذي لعب للريال والبارسا في فترتين مختلفتين جرب من خلاليها معاني الكلاسيكو من الجانبين.

مابين غريمي إسبانيا التقليديين، برشلونة وريال مدريد، خصام يتجاوز مباراة كرة قدم فقط، فالتاريخ بينهما طويل وشائك، وكرة القدم الحديثة قد فرضت بينهما ألوانا أخرى من التنافس والتحدي. بل، طال الأمر لسياسة البلد – إسبانيا – وتضاريسها الجغرافية التي لعبت دورا في تأجيج الصراع مابينهما، خاصة مع مطالبات إقليم كتالونيا المحتضن لنادي برشلونة إستقلاله عن إسبانيا، الأمر الذي ترفضه بتاتا حكومة مدريد.

البارسا لم ينسى ماتجرعه من ويلات أيام حكم نظام فرانكو الديكتاتوري، حقبة لعل الجميع يتذكر منها فقط أحداث مباراة الـ 11-1 (تحدثنا عنها خلال الحلقة الأولى من السلسلة)، لكن قليل من يعرف حقائق أخرى، كيوم مات لاعب البارسا خوليو سيزار بينيتيز مسموما قبل أيام قليلة من مباراة برشلونة وريال مدريد، آنذاك اتهم الكتلان نظام فرانكو بهذه الفعلة، قام اللغط وارتفعت الضوضاء، أغلق ملفها دون حل، ثم استمرت الحياة.

أحاديث الصراع بين الطرفين لاتقتصر على آراء العامة والإعلام فقط، بل حتى لاعبو وإدارييو الفريقين يخوضان في ذلك، فحينما أذيعت إشاعات مفادها أن جيرارد بيكيه قد صرح قائلا أن المباراة بين الفريقين هي في الحقيقة مباراة بين كتالونيا وإسبانيا، علق جوان لابورتا الرئيس السابق للبارسا على هذه الإشاعة: “لحد ما هذا الأمر صحيح، إنها مباراة رياضة تحمل أبعادا سياسية، لطالما مدريد كان الممثل لإسبانيا، ونحن نمثل كاتالونيا”.

التنافس بين الفريق هو محتد حتى آخر رمق. فإن كان الإتحاد العالمي لكرة القدم (الفيفا) قد اعترف بريال مدريد فريق القرن العشرين، فإن الإتحاد العالمي لتاريخ كرة القدم قد اعترف ببرشلونة فريق القرن الواحد والعشرين. وإن كانت كل فرق إسبانيا قد جربت طعم النزول لدوري الدرجة الثانية، فإن برشلونة وريال مدريد لازالا صامدين أمام هذا كابوس كل الفرق (إضافة لأتلتيك بيلباو). وما إن فاز ريال مدريد بدوري الأبطال سنة 2014، إلا وأعقبه البارسا بذات اللقب سنة 2015. وإن كان ريال مدريد يملك رونالدو، فإن البارسا يملك ميسي.

برشلونة وريال مدريد طرفان، كل متعلق بالآخر. فالمشجع البرشلوني حتما عليه أن يكون ضد ريال مدريد (مايطلق عليه في الأوساط الإسبانية بـ : أنتي مدريديستا)، والعكس صحيح. جوردي ألبا ظهير برشلونة صرح يوما قائلا: “أنا مشجع لبرشلونة، من الطبيعي أنني سأتمنى لريال مدريد الخسارة كلما لعبت مباراة”. أما صحيفة “الآس” المدريدية فقد وضعت استفتاء جماهيريا لجماهير ريال مدريد تتساءل عن أكثر فريق يكرهونه. ولم تكن المفاجأة نسبة 97% من الجماهير التي اختارت البارسا جوابا لهذا السؤال، لكن المفاجأة كانت تلك النسبة المتبقية التي لم تعتبر البارسا العدو الأول لريال مدريد.

في سنة 1997، كانت سنة سعيدة لجماهير برشلونة، حينما فاز الفريق بلقب كأس الملك ضد ريال بيتيس. ماجعل هذا اللقب خاصا، هو الفوز به على ملعب ريال مدريد، ملعب سانتياغو بيرنابيو، لاعبو البارسا يقومون بجولة شرفية داخل الملعب، والجماهير الكتالونية التي انتشرت في مدرجات ملعب مدريد صارت تنشد: “مدريد تحترق !”. رئيس برشلونة في تلك الحقبة جوان غاسبارت علق قائلا: “الذكرى التي سأحتفظ بها من تلك المباراة، أنني جعلتهم يطلقون نشيد البارسا من مكبرات صوت الملعب .. خمس مرات”.

أما سنة 2008، ففوز ريال مدريد بالدوري الإسباني قبل جولات من النهاية، جعلت الجماهير البيضاء في غاية السعادة. لأن ذلك معناه أن برشلونة سيضع الممر الشرفي لريال مدريد بطل إسبانيا قبل بداية الكلاسيكو الذي سيجعمهما في الجولة 36 من الليغا. الممر في أعراف الكلاسيكو معناه الإهانة الشديدة، لدرجة أن الإعلام المدريدي تحدثت عن أم سمحت لابنها بمشاهدة الممر فقط ثم إغلاق التلفاز، لأن موعد نومه قد حان والمباراة في ساعة متأخرة من الليل. برشلونة خسر تلك المباراة بنتيجة 4-1، لكنها تهون أمام إهانة الممر التي تلقاها في ملعب البيرنابيو.

سنة 2009، حينما حقق البارسا الثلاثية التاريخية، ووسط مراسيم الاحتفال، لم ينس صامويل إيتو خصومة الريال الأزلية، فأمسك الميكروفون وصاح ينشد مهاجما الفريق الأبيض: “مدريد، الحقيرة، فلتحيي البطل”. أما جمهور ريال مدريد فصار ينشد أثناء إحدى المباريات قائلا : “برشلونة .. إنها القذارة .. برشلونة إنها القذارة”.

مابين كل هذه الصراعات والخصومات، ينبثق طيف من الروح الرياضية وحب اللعبة حتى بين الطرفين.

سنة 2005، وفي كلاسيكو الليغا بملعب سانتياغو برنابيو، كانت ليلة البرازيلي رونالدينهو بامتياز. لاعب برشلونة سجل هدفين من أصل ثلاثية نظيفة للفريق الكتالوني، إبداع البرازيلي، أجبر جماهير ريال مدريد على الوقوف والتصفيق له، مشيدة بهذا الفتى الذي سحر الجماهير، بمن فيها المدريدية. لقطة كانت شبيهة بلقطة جماهير برشلونة، حينما صفقت للاعب ريال مدريد لوري كونينغهام، بعد مباراة رائعة للاعب الإنجليزي قاد بها الفريق الأبيض للفوز بهدفين دون رد.

المواقف الإنسانية كانت حاضرة بين الطرفين كذلك، أذكر منها موقف نادي ريال مدريد من خبر مرض الراحل تيتو فيلانوفا مدرب برشلونة السابق حينما أصيب بمرض السرطان سنة 2012. الجماهير المدريدية حملت قميصا كتب عليه “تشجع تيتو” في رسالة للمدرب البرشلوني الذي خاض صراعا مع المرض لم ينج منه في الأخير.

هي ساعات تبقت على كلاسيكو آخر، ولا يسعني إلا أن أرسل رسالة حب لكل عشاق الفريقين البارسا والريال. ما أحلى معارك الكلاسيكو وأجملها، لكن روح الرياضة وجوهرها أعلى من كل شيء. لنجلس جميعا ونستمتع بتسعين دقيقة من المتعة، ولنعبر عن مكنوناتنا تجاه كل حدث من أحداث المباراة، لكن بعيدا عن مظاهر العنف والقبح اللذان يفرغان كرة القدم من معناها الحقيقي. فهي رسالة السلام والجمال، والحب والوئام.