الرئيسيةالدورى الاسبانىهل سنقول بعد عقدٍ من الزمن أن فالفيردي ظُلم في برشلونة؟

وكالات : “رادومير أنتيتش” لم يكن هذا الاسم مألوفاً جداً لنا في السنوات الماضية، بل لم نسمع منه أو عنه الكثير، حيث طوت السنوات صفحات مجده، وأنستنا شكله، قبل أن يعود كل شيء أمام أعيننا حينما سمعنا بخبر وفاته خلال الأسبوع الماضي.

وكعادة أي نجمٍ راحل، نحب أن نفتش قليلاً في سيرته، إنجازاته، وأفكاره، وهو ما قادني بالطبع إلى واحدة من أكثر فصول مسيرته تعقيداً وألماً، قضية إقالته من تدريب ريال مدريد موسم 1991 – 1992.
لم أكن أعلم بأن أنتيتش حينما رحل عن ريال مدريد كان متصدراً لترتيب الدوري الإسباني بفارق 3 نقاط، لكن متري حجار رئيس تحرير لسبورت 360 أخبرني بهذه المعلومة، وهو ما يجعلنا نتساءل فور ذلك، لماذا تمت إقالته إذاً؟

قبل الإجابة على هذا السؤال يجب أن نفهم بأن نجاح أنتيتش موسم 1991 – 1992 لم يقتصر على صدارة جدول ترتيب الدوري الإسباني، المدرب اليوغسلافي – الصربي قدم نتائج إيجابية للغاية في ريال مدريد، خلال 39 مباراة قاد فيها الفريق الأول من مارس 1991 وحتى يناير 1992 استطاع تحقيق 27 انتصاراً بنسبة تلامس 70% ، وهو رقم جيد جداً بلغة كرة القدم.
كما يجب الإشارة إلى أن أنتيتش حينما تولى تدريب ريال مدريد كان الفريق يحتل المركز الثامن في الدوري الإسباني موسم 90-91 ، لكن مع المدرب الصربي استطاع خلال 3 أشهر الصعود للمركز الثالث والتأهل لمسابقة كأس الاتحاد الأوروبي (الدوري الأوروبي حالياً) ، كما هزم برشلونة كرويف في الجولة الأخيرة من الدوري وهم أبطال للمسابقة، ليعيد شيئاً من كبرياء الريال في ذلك الموسم، ورغم كل ذلك، ورغم فارق النقاط الثلاث الذي يفصله عن البرسا في قمة الدوري بالموسم التالي، مع تأهله لربع نهائي كأس الاتحاد الأوروبي، تمت إقالته من منصبه في 27 يناير 1992 وتعيين الهولندي ليو بينهاكر في منصبه، والذي كان يتولى منصب المدير الرياضي حينها.

رادومير أنتيتش
ريال مدريد متخصص بإقالة المدربين الناجحين.. ولكن!
لا يوجد شك بأن ريال مدريد لديه عادات غريبة في إقالة المدربين، فسبق أن أقال عدة أشخاص بعد تحقيقهم للألقاب، لكن تبدو إقالة أنتيتش الأغرب بالنسبة لي، فالإقالات الأخرى كانت تحدث نهاية الموسم، وليس في وسطه، فلم يسبق لريال مدريد أن تخلى عن مدرب وسط الموسم وهو متصدر لترتيب الليجا.
هذا الأمر دفعني للبحث عن أسباب إقالة المدرب، ولم أجد سوى تقرير واحد من صحيفة البايس نشر في 28 يناير 1992 يشرح ما حدث.
باختصار، تلخصت أسباب إقالة المدرب في 3 نقاط: 1- الرئيس ميندوزا ومجلس إدارته مستائين جداً من المستوى الكروي الغير مقنع هجومياً والذي كان يقدمه الفريق في تلك الفترة، فالفوز على تينيريفي 2-1 رأته جماهير البرنابيو غير مقنع لأن فريقها قدم أداءً أسوأ من الوافد المغمور، وهو شيء فاقم من استياء الإدارة.
2- عدم قدرة المدرب على استخدام تشكيلته بشكلٍ مثالي، الإدارة ترى بأن الفريق يجب أن يقدم أداءً أفضل نظراً للأسماء التي يملكها.
3- لا يوجد ردة فعل حقيقية على النتائج السلبية، حيث خسر الفريق تقدمه على برشلونة بفارق 7 نقاط ليصبح بفارق 3 نقاط فقط (تلقى هزيمتين في آخر 5 مباريات قبل رحيل أنتيتش).
هذه الأسباب التي لخصتها صحيفة البايس، لكن بعد 28 عاماً من هذه الحادثة، نستطيع أن نستخلص أفكار أخرى من هذه القضية، وهي نفس العوامل التي تؤثر بشكلٍ كبير على مسيرة العديد من الأندية مؤخراً، وربما أثرت على إرنستو فالفيردي مدرب برشلونة الذي أقيل من منصبه في يناير الماضي.
لنعد إلى عام 1992 ، يجب هنا أن نعيش بعقلية مشجع لريال مدريد، أو رئيس ريال مدريد، يجب أن نتقمص شخصيته بشكلٍ حرفي في تلك الحقبة، لنفهم دوافع هذا القرار.
الريال في ذلك الوقت كان لديه غرور كروي إن صح التعبير، نعم هو نفس الغرور المستمر حتى اللحظة، لكن بشكل أكثر حدة فالمسألة مرتبطة بالغريم برشلونة.
الملكي كان يفصله عن الكتالوني تاريخ كروي كبير حينها، فلم تكن الندية في التنافس بين الناديين كما هي اليوم، بل أن الفارق بين عدد ألقاب الناديين في الدوري الإسباني يصل إلى 14 لقباً، الريال لديه 25 لقباً مقابل 11 لقباً لصالح البرسا، وحتى على الصعيد الأوروبي فالريال بطل لأوروبا 6 مرات في خمسينات وستينات القرن الماضي، بينما لم يحقق البرسا أي لقب حتى تلك اللحظة.

ليس ذلك فقط، ريال مدريد كان بطلاً للدوري الإسباني 5 مرات متتالية في نهاية الثمانينات، وصحيح أن كرويف أتى وأنهى هذه السلسلة عام 1991، لكن هذا اللقب تلاشى تأثيره النفسي سريعاً بتصدر الريال الدوري مجدداً مع أنتيتش بفارقٍ مريح.
ما أريد قوله هنا أن الريال كان لديه تشبع كبير من لقب الدوري الإسباني، النادي ومشجعيه ينظرون لهذه البطولة على أنها “تحصيل حاصل” ، لذلك صدارة الترتيب بفارق مقبول عن برشلونة لا يجعلهم يرضون عن المدرب.
برشلونة بالمقابل كان له دور فعال في المسألة، فهو كان يقدم كرة قدم ممتعة ومبتكرة مع يوهان كرويف، كان الفريق يتجلى بأداءٍ استثنائي هجومياً، مقابل ريال مدريد رتيب وبطيء وممل مع أنتيتش، ومع وجود حالة غرور كبيرة سبق الإشارة لها جاء قرار إقالة أنتيتش مترافقاً مع موجة السخط على المدرب، فالأنا العليا كانت مسيطرة على أروقة البرنابيو حينها في سؤال يتردد صداه “كيف لا نكون نحن أصحاب أفضل أداء في أوروبا؟ “.
بوتراجينيو مهاجم ريال مدريد في تلك الحقبة قال بعد الفوز الرتيب على تينيريفي 2-1 جملة واضحة تلخص هذه الأزمة “برشلونة أفضل فريق في العالم من الناحية الهجومية”.
لا يوجد شك بأن ريال مدريد ما زال يفكر بنفس العقلية، بل يجب أن يفكر بنفس العقلية إن كان نادياً طموحاً، كحال بقية الكبار في أوروبا بما فيهم برشلونة، لكن القضية في عام 1992 كانت أكبر من الرغبة في التفوق على المنافس، أو حتى تحقيق أداء ممتع، المشكلة كانت في في عدم تقدير النجاحات التي يحققها الفريق واستصغارها واعتبارها نجاحات ثانوية غير هامة أو مؤثرة، مثل عدم الاكتراث لموقع ريال مدريد في صدارة جدول ترتيب الدوري الإسباني، واتخاذ بسببها قرارات تضر بمصلحة الفريق على المدى البعيد، وهو ما حدث بالفعل.
لم يستطع ريال مدريد الوقوف على قدميه بعد إقالة أنتيتش، حيث أقصي من كأس الاتحاد الأوروبي، وخسر نهائي كأس الملك أمام أتلتيكو مدريد، وبشكلٍ مفاجئ خسر لقب الدوري الإسباني في الجولة الأخيرة لصالح برشلونة! نعم، تينيريفي الذي تسبب بإقالة أنتيتش لأن الريال لم يقدم أداءً عالياً ضده، كان هو نفسه من تسبب بخسارة الريال للقب في لقاء العودة، ليتضح بأن مدرب ريال مدريد حقق المطلوب أمام هذا الفريق بالتفوق عليه في لقاء الذهاب، لكن الملكي أمام ذات الفريق المتواضع بالأداء والنتيجة حينما رحل، وخسر معه لقب الليجا في الجولة الأخيرة.
نجوم ريال مدريد لم يستوعبوا قرارات الرئيس، تعرضوا لصدمة شديدة، لدرجة أن معظم اللاعبين وصفوا قراره بإقالة أنتيتش بأنه “غريب جداً”.
اتضح بعد رحيل أنتيتش أن المدرب كان يقدم أفضل ما يستطيع تقديمه بالمجموعة التي يملكها، يحتوي المشاكل ليحمي الفريق من الانهيار، فالتشكيلة التي كان الرئيس يظن أنها “قوية جداً” لم تكن كذلك، بل كانت تمر في مرحلة انتقالية، البعض تقدم به السن، البعض الآخر ليس بالمستوى المطلوب، ويبدو أن المدرب كان يحمي نتائج الفريق بطريقة مقبولة حتى لا ينهار كل شيء، وهو الشيء الذي لم يتحقق بعد رحيله حيث خسر الريال لقب الدوري الإسباني 3 مرات متتالية لصالح برشلونة.
إرنستو فالفيردي مدرب برشلونة سابقاً
هل فالفيردي هو نسخة برشلونة من أنتيتش؟
ليس غريباً عليكم الآن أنني افتتحت مقالي بالسؤال عن إرنستو فالفيردي، المدرب الذي سخرنا منه جميعاً، هاجمناه، وانتقدناه، وتناسينا أنه بطل الدوري الإسباني في موسمين، بل أنه حينما تمت إقالته من برشلونة كان متصدراً للترتيب مع ريال مدريد، وضعية تبدو مشابهة لوضعية أنتيتش حالياً، ففي البرسا لا يشعرون حالياً بالرضا عن تحقيق لقب الدوري الإسباني ولا يعتبروه نجاحاً حقيقياً خلال الموسم.
لكن رحيل فالفيردي لم يغير الكثير في برشلونة على مدار شهرين مع سيتيين، إريك أبيدال الذي قال بأن الكلاسيكو ضد ريال مدريد ذهاباً هو سبب الإطاحة بالمدرب الباسكي لأن الريال ظهر أفضل فنياً وبدنياً من فريقه في كامب نو، لم يقدم لنا حلاً لهذه المشاكل في الكلاسيكو التالي مع بداية مارس، بل على العكس، برشلونة كان أسوأ من لقاء الذهاب، على الأقل تمتع البرسا ذهاباً بصلابة دفاعية واضحة رغم ضعف المستوى الفردي للأفراد في هذا الخط.
في برشلونة فكروا بنفس العقلية التي تملكت ريال مدريد عام 1992، لم يقبلوا أن يشاهدوا ليفربول ومانشستر سيتي يقدمان مستوى لا يضاهى في أوروبا، يعتقدون بأنهم يجب أن يقدموا أفضل أداء في العالم كما كان الحال مع بيب جوارديولا ولويس إنريكي، وأي شيء غير ذلك لا يبدو مقبولاً، مثلما لم يتقبلا بأن ريال مدريد يبدو فتي أكثر من برشلونة، ولديه قدرات بدنية أعلى، رغم أن الريال ليس بأفضل أحواله هو الآخر.
لا أدافع عن فالفيردي، أنا كحال الكثيرين انتقدته كثيراً، لكنها دعوة للتأمل والتفكر، فالحكم النهائي يبقى وحده للتاريخ، فربما يأتي بعد 30 عاماً شخص آخر ليكتب مقالاً أو يقدم فيديو ليتحدث فيه عن مدرب ظلم في حقبة ما مع برشلونة…
لا يشترط أن نخرج بحكم نهائي حالياً، فالأيام ستفصّل لنا كل شيء.

لتحميل تطبيق جريدة الرياضي

لنظام اجهزة اندرويد

لنظام اجهزة ايفون وايباد

 

الاكثر مشاهدة